فخر الدين الرازي

162

تفسير الرازي

غيره محال في العقول ، وأما كلمة * ( من ) * في هذه الآية فهو مفيد ابتداء الغاية ، على معنى أن ابتداء حدوث هذه الأشياء من تلك الأشياء لا على وجه الحاجة والافتقار ، بل على وجه الوقوع فقط . المسألة الرابعة : قال صاحب " الكشاف " : قرىء * ( وخالق منها زوجها وبث منهما ) * بلفظ اسم الفاعل ، وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هو خالق . قوله تعالى : * ( وبث منهما رجالا كثيراً ونساء ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال الواحدي : بث منهما : يريد فرق ونشر ، قال ابن المظفر : البث تفريقك الأشياء ، يقال : بث الخيل في الغارة وبث الصياد كلابه ، وخلق الله الخلق فبثهم في الأرض ، وبثثت البسط إذا نشرتها ، قال الله تعالى : * ( وزر أبي مبثوثة ) * قال الفراء والزجاج : وبعض العرب يقول : أبث الله الخلق . المسألة الثانية : لم يقل : وبث منهما الرجال والنساء لأن ذلك يوجب كونهما مبثوثين عن نفسهما وذلك محال ، فلهذا عدل عن هذا اللفظ إلى قوله : * ( وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) * . فان قيل : لم لم يقل : وبث منهما رجالا كثيراً ونساء كثيراً ؟ ولم خصص وصف الكثرة بالرجال دون النساء ؟ قلنا : السبب فيه والله أعلم أن شهرة الرجال أتم ، فكانت كثرتهم أظهر ، فلا جرم خصوا بوصف الكثرة ، وهذا كالتنبيه على أن اللائق بحال الرجال الاشتهار والخروج والبروز ، واللائق بحال النساء الاختفاء والخمول . المسألة الثالثة : الذين يقولون : إن جميع الأشخاص البشرية كانوا كالذر ، وكانوا مجتمعين في صلب آدم عليه السلام ، حملوا قوله : * ( وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) * على ظاهره ، والذين أنكروا ذلك قالوا : المراد بث منهما أولادهما ومن أولادهما جمعا آخرين ، فكان الكل مضافا إليهما على سبيل المجاز . قوله تعالى : * ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً ) * .